حكاية غريبة.. من التساؤل إلى التميز
"أصعب شيء هو الحديث عن نفسي، لكنني سأحاول..." هكذا بدأت غريبة حديثها، وهي تستحضر رحلة فتاة طموحة شقت طريقها بالكفاح والتميز حتى أصبحت قصة نجاح ملهمة. "أنا إنسانة بسيطة، لكنني طموحة، وهذا الطموح لم يكن صدفة أو قفزة مفاجئة في حياتي، بل كان بذرة زرعتها أمي منذ طفولتي."
كانت والدتها أول من آمن بها، علمتها كتابة اسمها والأرقام قبل دخولها المدرسة، وحين بدأت مسيرتها التعليمية، لم تكن والدتها تحاول مقارنتها بالآخرين، بل كانت تردد عليها: "كوني أنتِ، لا تقارني ذاتكِ بأحد." هذه الكلمات صنعت منها فتاة مستقلة، قوية، واثقة من نفسها، وشغوفة بالتطور.
تقول غريبة عن والدتها: أمي مدربة ومحكّمة في أولمبياد الإبداع، وكانت تشير إلى الطالبات الموهوبات بـ " بناتي "، وهذا جعلني أشعر بدافع قوي لأن أكون واحدة ممن تفخر بهن يومًا ما.
لم تكن طفولة غريبة عادية، بل كانت مليئة بالأسئلة، تبحث، تستفسر، وتحلل كل ما يدور حولها. دفعها فضولها العلمي إلى المشاركة في برامج إثرائية، حيث انضمت إلى مسار الرياضيات والهندسة في الثانية عشرة من عمرها، وهناك وجدت نفسها في عالم الأرقام والمنطق. تقول ضاحكة عن طفولتها: " كدتُ أعمل بحثًا في العلوم من شغفي بالبحث والتعلم
لم يقتصر طموحها على العلوم فقط، بل امتد ليشمل العمل المجتمعي. كانت البداية مع حملة "وطن"، التي غرست فيها قيم العطاء والمسؤولية. وعندما أطلقت وزارة التعليم مسابقة بحثية، اختارت المسار المجتمعي، وقدمت بحثًا حول "دور المؤسسات الأهلية في دعم الشباب لبناء الوطن"، ففازت بالمركز الرابع.
تعرفت غريبة على "جائزة راشد الراشد للموهبة والإبداع " في المرحلة الثانوية، ولم تكن تملك الشجاعة الكافية للمشاركة، لكن إحدى زميلاتها شجعتها على التقديم. بعد تردد، قررت خوض التجربة، وكانت هذه الخطوة بداية تحول كبير في شخصيتها.
كانت المقابلة الشخصية الأولى في حياتها تجربة مشوقة ومثيرة، خرجت منها بإحساس قوي بأنها على مشارف مرحلة جديدة. وبعد قبولها، وجدت نفسها في عالم مختلف، مليء بالتحديات والفرص. لم يكن الأمر مجرد منافسة، بل كان رحلة لصقل المهارات، ونافذة أطلّت منها على ذاتها الحقيقية.
مع دخولها الجامعة، كان سؤال "أين ترى غريبة نفسها بعد عشر سنوات؟" يراودها باستمرار. لم تجد نفسها مهندسة تحسب الأرقام، بل قائدة تصنع القرار وتؤثر. لهذا، اختارت دراسة الحقوق، لأنها رأت فيه المجال الذي يمكنها من إحداث التغيير.
لكن شغفها بالقانون لم يكن مجرد دراسة أكاديمية، بل تعمقت فيه باحثة عن تخصص دقيق، فوجدت نفسها في قانون الأسواق المالية. رغم تعقيده، إلا أنه أثار فضولها ودفعها للبحث والتعمق فيه.
خلال فترة التدريب التعاوني، شاركت غريبة في منافسة التحكيم التجاري، رغم أن هذا المجال لم يكن ضمن اهتماماتها الأساسية، لكنها وجدت نفسها تتعمق فيه شيئًا فشيئًا.
في إحدى الجلسات، وقفت لأول مرة للمرافعة، وأدت أداءً لافتًا. بعد انتهاء الجلسة، قال لها رئيس اللجنة: "أنتِ ستكونين محامية رائعة، ولو كان القضاء متاحًا للنساء، لكنتِ أفضل قاضية." كانت تلك اللحظة شهادة انتصار لمسيرة حافلة بالتعلم.
لم يكن تأثير مؤسسة عبد المنعم الراشد الإنسانية عليها بسيطًا، فقد دعمتها في مسيرتها، وساهمت في ترشيحها لجائزة أفضل مترافع.
تحديات كثيرة واجهتها، لكنها لم ترها سوى فرص لصقل شخصيتها وإثبات جدارتها. وبفضل الله، تخرجت من الجامعة وهي تمتلك الخبرة، الشهادة، والمهارات التي تؤهلها للتميز.
ِِِ
اليوم تواصل غريبة تحقيق طموحاتها في مسيرتها المهنية، انضمت إلى القيادات القانونية الشابة بالتعاون مع مؤسسة "مسك"، وفازت بأفضل مشروع قانوني.
في ختام حديثها تقول غريبة:
"أؤمن أن على الإنسان أن يسعى نحو حلمه وطموحاته، مستشهدة بقوله تعالى: " وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ".
غريبة قصة إلهام لكل من يسعى وراء حلمه، مؤمنًا بأن لكل مجتهدٍ نصيبًا، ولكل طموحٍ طريقًا يمضي فيه حتى النهاية.
